العيني
31
عمدة القاري
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية . إلاَّ من أجل أنها ظهر ، رواه الطحاوي بإسناد صحيح عن ابن عباس من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى ، ورواه ابن أبي شيبة موقوفاً على عبد الرحمن ، ولم يذكر ابن عباس ، وفي الصحيحين عن ابن عباس ، قال : لا أدري ، أنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس ، فكره أن يذهب حمولتهم أو حرمه في يوم خيبر ، وهذا يبين أن ابن عباس علم بالنهي لكنه حمله على التنزيه توفيقاً بين الآية وعمومها ، وبين أحاديث النهي ، وقال سعيد بن جبير وبعض المالكية : إنما منعت الصحابة يوم خيبر من أكل لحوم الحمر الأهلية لأنها كانت جوالة تأكل القذرات ، فكان نهيه ، صلى الله عليه وسلم ، لهذه العلة ، لا لأجل التحريم . وقال آخرون : علة النهي كانت لاحتياجهم إليها ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي من حديث عبد الله بن عمر : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر ، وكانوا قد احتاجوا إليها . وقال آخرون : علة النهي أنها أقيتت قبل القسمة ، فمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أكلها قبل أن تقسم ، وقال أبو عمر بن عبد البر : وفي إذن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في أكل الخيل ، وإباحته لذلك يوم خيبر ، دليل على أن نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذ عبادة لغير علة ، لأنه معلوم أن الخيل أرفع من الحمير ، وأن الخوف على الخيل وعلى قيامها فوق الخوف على الحمير ، وأن الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم ، وبهذا يتبين أن أكل لحوم الحمر لم يكن لحاجة وضرورة إلى الظهر والحمل ، وإنما كانت عبادة وشريعة ، والذين ذهبوا إلى إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية ، وهم : عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبيد بن الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وبعض المالكية ، احتجوا بحديث غالب بن أبجر ، قال : يا رسول الله ! إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم منه أهلي غير حمر لي أو حمرات لي قال : فأطعم أهلك من سمين مالك ، وإنما قذرت لكم جوال القرية . رواه الطحاوي وأبو داود وأبو يعلى والطبراني . وأجيب عنه : بأن هذا الحديث مختلف في إسناده ، ففي طريق عن ابن معقل عن رجلين من مزينة أحدهما : عن الآخر عبد الله بن عمرو بن لويم ، بضم اللام وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره ميم ، والآخر : غالب بن أبجر ، وقال مسعر : أري غالباً الذي سأل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وفي طريق عبد الرحمن بن معقل ، وفي طريق عبد الله بن معقل ، وفي طريق عبد الرحمن بن بشر ، وفي طريق عبد الله بن بشر ، عوض عبد الرحمن ، وهذا اختلاف شديد فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة التي وردت بتحريم لحوم الأهلية . وقال ابن حزم : هذا الحديث بطرقه باطل ، لأنها كلها من طريق عبد الرحمن ابن بشر وهو مجهول ، والآخر : من طريق عبد الله بن عمرو بن لويم ، وهو مجهول ، أو من طريق شريك وهو ضعيف ، ثم عن ابن الحسن ، ولا يدري من هو ، أو من طريق سلمى بنت النضر الخضرية ولا يدري من هي ، وقال البيهقي : هذا حديث معلول ، ثم طول في بيانه . قال أبُو عَبْدِ الله كانَ ابنُ أبي أوَيْسٍ يَقولُ الْحُمُرُ الأنَسِيَّةُ بنَصْبِ الألِفِ والنُّونِ أبو عبد الله هو البخاري ، نفسه يحكي عن شيخه إسماعيل بن أبي أويس ، واسمه : عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس ، فإنه كان يقول : الحمر الأنسية نسبة إلى : الأنس ، بالفتح ضد الوحشة وقال ابن الأثير : والمشهور فيها كسر الهمزة منسوبة إلى الأنس ، وهم بنو آدم الواحد أنسي . وفي كتاب أبي موسى ما يدل على أن الهمزة مضمومة ، فإنه قال : هي التي تألف البيوت ، والأنس ضد الوحشة ، والمشهور في ضد الوحشة الأنس بالضم ، وقد جاء فيه بالكسر قليلاً . قال : ورواه بعضهم ، بفتح الهمزة والنون وليس بشيء قال ابن الأثير : إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية فيجوز ، وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فلا ، فإنه مصدر : أنست به أنساً وأنسة . . وقال بعضهم : وتعبيره عن الهمزة بالألف ، وعن الفتح بالنصب جائز عند المتقدمين ، وإن كان الاصطلاح أخيراً قد استقر على خلافه ، فلا تبادر إلى إنكاره . انتهى . قلت : هذا ليس بمصطلح عند النحاة المتقدمين والمتأخرين ، إنهم يعبرون عن الهمزة بالألف ، وعن الفتح بالنصب ، فمن أدَّعى خلاف ذلك ، فعليه البيان ، فالهمزة ذات حركة ، والألف مادة هوائية ، فلا تقبل الحركة . والفتح من ألقاب البناء ، والنصب من ألقاب الإعراب ، وهذا مما لا يخفى على أحد .